الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
303
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
ويقول الإمام أبو حامد الغزالي : « إن المؤثر النافع هو الذكر على الدوام مع حضور القلب ، فأما الذكر باللسان والقلب لاه فهو قليل الجدوى ، وفي الأخبار ما يدل عليه أيضاً ، وحضور القلب في لحظة بالذكر والذهول عن الله عز وجل مع الاشتغال بالدنيا أيضاً قليل الجدوى ، بل حضور القلب مع الله تعالى على الدوام أو في أكثر الأوقات هو المقدم على العبادات ، بل به تشرف سائر العبادات ، وهو غاية ثمرة العبادات العملية » « 1 » . وقد يزين الشيطان لبعض السالكين أن يتركوا الذكر بحجة أن ذكرهم لا يسلم من الوساوس ، والذكر لا يفيد إلا إذا كان الذاكر حاضر القلب مع الله تعالى . ولكن مرشدي السادة الصوفية حذروا مريديهم من هذا المدخل الشيطاني الخطير ، فقال الشيخ ابن عطاء الله السكندري : « لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله تعالى فيه ، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره ، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة ، إلى ذكر مع وجود حضور ، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور وما ذلك على الله بعزيز » « 2 » . . ومن الاعتقادات الخاطئة التي يحذر مشايخ الطريقة المريدين من الوقوع ضحية لها : هو ظن المريد بأن عدم قدرته على ذكر الله عز وجل بقلب حاضر هو مبرر أو موجب لترك القيام بالذكر لحين القدرة على القيام به بحضور القلب . إلا أن هذه الحجة باطلة من الناحية المنطقية ، لأن هذا يناقض قول المريض بأنه لن يأخذ الدواء الذي وصفه له طبيبه إلا من بعد أن يشفى ، فالأذكار هي نفسها أدوية أمراض القلب كما مر ذكره ، وانشغال القلب عن الله سبحانه وتعالى هو أكبر هذه الأمراض ، ولذلك فإن حاجة المريد للذكر حاجة دائمية ، ولا يسقط فرضها عليه أي سبب أو تعليل .
--> ( 1 ) - الإمام الغزالي إحياء علوم الدين ج 1 ص 301 . ( 2 ) - الشيخ عبد الوهاب الشعراني الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية ج 1 ص 43 .